قصيدة في حضور عبد اللطيف عقل

قصيدة في حضور عبد اللطيف عقل
قصيدة في حضور عبد اللطيف عقل

المتوكل طه

***

..ونِمْتَ على دَمعةٍ لا تَجفُّ ،

وأُمُّكَ في حِضْنِ شَيخٍ غَليظٍ ،

لقد قَضمَ القَارحُ النَّاقمُ الرّأسَ ،

كنتَ رَضيعاً ، ولم ترَ رأسَ أبيكَ

المُنَخَّلَ بالدَمِ ..

بعدَ لَيالٍ ، بَقِيتَ مع أُختكَ في البَيتِ !

وحدكمَا .. تَبكِيان ..

وكانت بِقربكما تِينةٌ تَحلبُ الشَّهدَ

حتى تَناما ..

وقالوا : رأينا الغُصونَ تُغطِّيكُما

في اللَّيالي ،

وقالوا : سَمِعنا الحواكيرَ تَبكي وتَرشحُ

حتى تَعُودا ..

وما كان .. كان ..

إلى أن حَمَلْتَ على جَاعدِ الرَّأسِ هذا الزَّمانَ ..

نَظرتَ لمرآتِكَ الرَّملِ ..

وما كانَ يَومُك .

***

سَلكْتَ طريقَ اليتيمِ ،

وكنتَ حريراً

تَجاوبتَ مع شَهوةِ المدنِ الصّاخباتِ ،

جَمعتَ دواوينَ شعرٍ قديمٍ

قَرأتَ ، مَحوتَ ، كبَوتَ ،

وقُمتَ ، وقد ذبلَ الخيطُ إلاّ قليلاً ،

تَعمّمتَ ، ثمَّ تقلّدتَ سنَّ الأليفِ ،

قَرأتَ على الميّتين التّمائمَ ،

ثم بَكيتَ مع النّحلِ ،

زاوجتَ بين المراكبِ والبدوِ ،

ثم أطلتَ الوقوفَ على الماءِ

حتى تبلّلَ موجُ البقاءِ ..

تقولُ : نَجوتُ !

نعم قد نَجوتَ

وفي يقظةِ الموجِ - يا صاحِ - موتُك .

***

ثَوبُك الخُردليُّ ، يَا قَمري الشيخُ،

من دَمعةٍ للزمانْ .

لكَ السَّيفُ واللُّؤلؤُ الحُرُّ ،

حتى تَتمَّ حِكايةُ هذا الزَّمانْ .

تَقولُ الرُّواةُ :

أَتَوا من غُروبِ الشَّمالِ

إلى لَبنِ الشَّرقِ ،

كُنَّا على رُكبَتينِ من اللَّيلِ ،

مِحراثُنا طَاعنٌ بالبَسيطِ من العُشبِ ،

والبَيتُ لِلعُرْسِ والأُقحُوانْ ..

- وكنتَ أبي الشَّيخ ،

كان الجنودُ ، وكان الحِصان ،

وكنتَ الوَليدَ وكنتَ الشَّريدَ ،

وكان القَصيد !

وقلتَ من السِّحرِ

ما أوقعَ القَشعريرةَ في التَّمرِ ،

نَافحتَ عن شَمسِنا في الطَّنينِ ..

وقد أَجمعُوا أنّهُ ؛ رَنّقَ الأرضَ وَردُكْ .

***

هَبطَّتَ لِتوِّكَ من مَعبدِ النّورِ ؛

في سَاعِديكَ النجومُ ،

وفي رأسِكَ الشمسُ ،

والماءُ بين أَصابِعكَ امرأةٌ من بُروقٍ ،

يُغرِّقُها أهلُها كي تَفيضَ الضِّفافُ ،

وتأتيكَ نَابضةً مثلَ طَميِ الجِنَانِ ،

وغَارِقةً بالعَقيقِ ،

وفي صَدرِها ألفُ مُهرٍ،

يَشقُّونَ لحمَ الضُّلوعِ ..

فَتبقَى مُحاطاً بِهذا الصَّهيل ِ،

وتَأتي لِتغسِلَ وجهَكَ باللّبنِ الحُلوَ ،

حتى تكونَ مُطيعاً لهَا ،

كُلَّما فَحَّ فِيها الحَمَامُ ،

وحانَ على صَدرِها التّبْرِ وقتُك .

***

كَسرتَ الزُّجاجةَ ،

ضَوَّعتَ ثوبَ النِّساءِ بعطرٍ

وضرَّجتَ أضلاعَهُنَّ بِجمْرِ النُّمور ِ،

وشَاكستَ في الصَّلواتِ

وعندَ الصيامِ ،

وما زلتَ في كلِّ ظَعنٍ تَقولُ ،

وما زالَ في سَجدةِ العشقِ قَولُك .

***

كانَ لهذا الغزالِ السَّماويِّ أنْ

يُشعِلَ النّارَ في العُرْسِ ،

أو يَسحبَ الفَمَ اللبنيّ من الصّدر ،

أو يُوقِفَ الموجَ ،

أنْ يدْهَمَ الرّملَ ،

لا يأخذُ العُشبَ في مِشطهِ للنّدى ،

كانَ له رَقْصُهُ في المَدى

والبَراري تُناديهِ ،

لكنّه دونَ تاجِ الطَّبيعةِ

مُنكسرٌ في الصّدى !

.. وما عادَ بَرُّك .

***

مَتى سوفَ تلقاكَ ، في برِّها المخمليِّ ،

وتَدخلُ فيها إلى غَبش الماءِ ،

تَمتصُّ زهرَ الشّتاءِ ودرّاقَ سرَّتِها

أو تَموتُ قليلاً على بُردةِ النّبعِ

ثم تقومُ إلى غَامضٍ في الغُلالةِ ،

تنسلُّ مثلَ الأفاعي ،

وتذهبُ في غفوةٍ لا تعودُ ؟

هناكَ ، تَكونانَ فوقَ الحياةِ ،

وبعدَ المماتِ ..

جنوناً صقيلاً .. يشعُّ ،

ويفهقُ من هلعِ العُريِ سِرُّك .

***

تُمَسِّدُ برجَ النّتوءاتِ بالكفِّ والفَمِ

تَسحقُ وادي النّدى بالغصونِ فتُمرِعُ ،

تنتحبُ الأرضُ ،

يَهبطُ سَقفُ البلادِ ،

ويرتجُّ قلبُ المحيطِ ، ويَهتاجُ ،

يُزبِدُ ، يُرخي جَناحيهِ ،

تَضربه الصّاعِقاتُ ، وتُعتِمُ ،

تَخرجُ عن صَمتِها الكائناتُ ،

وتلتفُّ إحدى الذّراعين تَحتَ الجحيمِ ،

لتطبقَ ، مثل الرّحى ،

فوق غيمِ الحليبِ ،

.. تروحُ إلى حيثُ لا يعرفُ الأمرَ أمرُك .

***

وتعْصِرُ رُمّانَها فوق ظهرِ الحصانِ ،

وتشربهُ رانِخاً بالصَّهيل ..

ذوّبتَ فيها كثيراً

من البردِ والخوفِ ،

وقد أنْهكتكَ، فنمتَ قليلاً !

وعادتْ بِرُمّانِها ،

مَسّدتهُ بأوراقها اليانعاتِ ،

وحكّته بالنّجمتين

.........

فعادَ ليفترعَ العاجَ ،

يُوصِلها للسّراج البعيدِ ..

وغَابا ..

وظلّت على شَرشفِ الخيلِ

آثارُ رمّانةٍ ذَبَحتْ نفسَها ..

وما كان ذنبُك !

***

شَقيقي الكبير الجَميل

المولّه بالصّوتِ !

عبّادُ شَمسِك يَلذعُ في المرجِ ..

نَادى على الشّاهِديْن

والقبرُ تلٌّ ونَهرٌ طويل .

سَمعناهُ .. قالوا ،

وفاض على غسقِ الثّاكلات

فقام العبادُ إلى خيلهم في السّبيل .

عرفتك قبل التواء الشّعاعِ ،

على التلِّ تكرز بالوقت

حتى يُعافى الذّبيحُ القتيل .

وما عاد مَيْتٌ، ولا ظلّ بيتٌ

على قدم النّجمِ والزّنجبيل .

شقيقي !

لعلّكَ مَن حرثَ البَحرَ ،

لم يطفئ النّارَ ،

كان بداهةَ عشبِ الجدارِ

وما كان يحلمُ أنْ

يجعل اللّيلَ بعد النّهار .

كان سراجاً لنوم الصّغار ،

ينام فتأتيه رؤيا الضّيوف ،

فيعرق من قِلَّةٍ في الجرار ..

وينده أمَّ البنين ؛

اخلعي خاتمَ العرسِ ، هاتي السّوار ،

وما في الخوابي ضَعيه ِ،

فكلُّ الضّيوف هنا، بانتظار ..

فتبكي ،

وتبعث للجارة الثّانيةْ ..

أعطني ما لديك،

فقد بعتُ عقدي وخاتمَ عُرسيَ ،

يوم اشترى البندقيّةَ،

لكنَّه صار ينسى

شقيقي !

لعلّ الضيوفَ مضوا في السبيلِ

وفي بيتك الحُلْمُ

والضّيفُ ضيفُكْ .

***

ويأتيكَ في النّومِ؛

وينتظرُ السّاطعة !

كي يرى الوردةَ السّابعة ..

قال في الأرضِ ما يهدمُ الرّاسياتِ

ليبلغَ تَلَّ السواحلِ..

ولم تكُ عَبْدَ الرّؤى الدّامعة .

سَامَحك اللهُ على ما نزفتَ

على قدمِ الفَاجِعة .

وكانت جراحُكَ في هجرتي سَاطِعة ،

إنّها السّنواتُ التي لا نراها ،

فتبقى قصائدُنا هاجعة .

تومئ، لكنها لن تعودَ ،

وإنْ قيل لي إنَّها رَاجِعة ..

والعفوَ، يا صاحبَ العفوِ ،

أدعوكَ بأنواركَ الشّافعةِ ..

وإنّا عيالُكْ .

***

شَبيهان نحنُ ،

تَجرّأتُ حتى بلغت المشيبَ

وهاأنذا، الآن، فوق السنين

وأكثر ..

فلا تَرحلِ الآنَ فالبيتُ بيتُكْ .

نشكر كل متابعينا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع حمرين نيوز ، قصيدة في حضور عبد اللطيف عقل ، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.
المصدر : القدس

التالى العراق... توقيف آمر القوة المسؤولة عن المنطقة التي انطلقت منها الصواريخ على أربيل