أخبار عاجلة
ميسي: «مونديال 2022» ستكون الأخيرة لي -

الغياب والزوال

بقلم‭: ‬سمير‭ ‬عطا‭ ‬الله

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أهل‭ ‬الأدب‭ ‬هناك‭ ‬الغياب،‭ ‬وهناك‭ ‬الإمعان‭ ‬في‭ ‬الغياب،‭ ‬أو‭ ‬الزوال‭. ‬بعض‭ ‬الأسماء‭ ‬تمر‭ ‬عليها‭ ‬القرون‭ ‬وتظل‭ ‬حيّة‭ ‬وأنوارها‭ ‬مضيئة‭. ‬وأكثرها‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حياته‭.‬

يخطر‭ ‬لي‭ ‬دائماً‭ ‬كمثال،‭ ‬جان‭ ‬بول‭ ‬سارتر‭. ‬كلما‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬مكتبة‭ ‬فرنسية،‭ ‬لا‭ ‬طبعات‭ ‬حديثة‭ ‬لكتبه‭. ‬لا‭ ‬مؤلفات‭ ‬حديثة‭ ‬عنه‭. ‬لا‭ ‬نقاش‭ ‬حول‭ ‬أعماله‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬ملأ‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الثانية‭. ‬تابعناه‭ ‬بانبهار‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬‮«‬فيلسوفاً‮»‬‭ ‬وكاتباً‭ ‬وصحافياً‭ ‬وثائراً‭ ‬وداعية‭ ‬لماو‭ ‬تسي‭ ‬تونع،‭ ‬وزمرة‭ ‬بادر‭ ‬ماينهوف،‭ ‬وقتلة‭ ‬‮«‬الألوية‭ ‬الحمراء‮»‬،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الانتساب‭ ‬إلى‭ ‬اللينينية‭ ‬والوجودية‭ ‬وحركات‭ ‬العنف‭ ‬وشهرة‭ ‬الرجل‭ ‬المعترض،‭ ‬أو‭ ‬المختلف‭.‬

والآن‭ ‬ماذا‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬العبقري‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬حياته‭ ‬كاتباً‭ ‬مسرحياً‭ ‬مهماً؟‭ ‬وماذا‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬كرّس‭ ‬حياته‭ ‬للنقد‭ ‬والهجوم‭ ‬والافتراء‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬جميع‭ ‬أهله‭.‬

كان‭ ‬سارتر‭ ‬عنواناً‭ ‬لمرحلة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬والشرق‭. ‬ومعه،‭ ‬ومع‭ ‬أنداده،‭ ‬ورفاقه،‭ ‬تحوّلت‭ ‬باريس‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬ثقافي‭ ‬عالمي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬وبسببه‭ ‬صار‭ ‬اليسار‭ ‬هوى‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وغيرها‭. ‬وأصبح‭ ‬اليمين‭ ‬خجل‭ ‬الأجيال‭ ‬الطالعة‭ ‬وسخريتها‭. ‬وانتقل‭ ‬الأثر‭ ‬السارتري‭ ‬إلى‭ ‬أميركا‭ ‬وكل‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭. ‬وكان‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬العربي‭ ‬قسط‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬وأصبح‭ ‬اليسار‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الموضة‭ ‬مثل‭ ‬ربطة‭ ‬العنق‭. ‬وفي‭ ‬أحيان‭ ‬وحالات‭ ‬كثيرة‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬ذلك‭.‬

بلغ‭ ‬الأمر‭ ‬بأشهر‭ ‬وجه‭ ‬أدبي‭ ‬فرنسي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أنه‭ ‬رفض‭ ‬قبول‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭. ‬ثم‭ ‬شعر‭ ‬بالندم‭ ‬وحاول‭ ‬استعادتها،‭ ‬لكن‭ ‬لجنة‭ ‬الجائزة‭ ‬ردت‭ ‬الإهانة‭. ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬وفاته‭ ‬عام‭ ‬1980،‭ ‬بدأت‭ ‬آثار‭ ‬سارتر‭ ‬تتلاشى‭ ‬بسرعة‭. ‬وراح‭ ‬نقاد‭ ‬كثيرون‭ ‬يعيدون‭ ‬تقييمه‭ ‬وتقييم‭ ‬مرحلته‭. ‬وظلت‭ ‬أعماله‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬مكانتها،‭ ‬لكنها‭ ‬فقدت‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحدي‭ ‬البقاء‭. ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬ديكارت‭ ‬في‭ ‬الفلسفة،‭ ‬ولا‭ ‬موليير‭ ‬في‭ ‬المسرح،‭ ‬ولا‭ ‬هيغو‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬ولا‭ ‬بلزاك‭ ‬في‭ ‬الرواية‭.‬

هو‭ ‬شعبوي‭ ‬خاضب‭ ‬بدد‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬ثوريات‭ ‬عابرة‭ ‬توسل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬شهرة‭ ‬صوتية‭ ‬فارغة‭ ‬أصبح‭ ‬بعضها‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬عاراً‭ ‬عليه‭ ‬كما‭ ‬على‭ ‬المجانين‭ ‬من‭ ‬أصحابها‭.‬

يبقى‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬سارتر‭ ‬الأديب‭. ‬أما‭ ‬أكثره‭ ‬فمن‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬أو‭ ‬قيمة‭ ‬له‭ ‬خارج‭ ‬مرحلته‭ ‬وسياقه‭. ‬الغياب‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬الغياب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭. ‬وسارتر‭ ‬كان‭ ‬آنياً،‭ ‬بعكس‭ ‬غريمه‭ ‬البير‭ ‬كامو‭ ‬أو‭ ‬عدوه‭ ‬أندريه‭ ‬مالرو‭. ‬أعطى‭ ‬الأدب‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬أخذ‭ ‬منه‭.‬

المصدر: ‭‬نقلا‭ ‬عن‭ ‬صحيفة‭ ‬الشرق‭ ‬الاوسط

نشكر كل متابعينا ونعدكم دائما بتقديم كل ما هو افضل .. ونقل الاخبار من كافة المصادر الاخبارية وتسهيل قراءتها لكم . لا تنسوا عمل لايك لصفحتنا على الفيسبوك ومتابعة آخر الاخبار على تويتر . مع تحيات اسرة موقع حمرين نيوز ، الغياب والزوال ، تابعونا علي مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بموقعنا ليصلكم جديد الاخبار دائمآ.
المصدر : صحيفه الايام

التالى طرد نائب رئيس شركة «أبل» بسبب مزحة على «تيك توك»